فخر الدين الرازي

639

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تفسير قوله : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا [ النبأ : 38 ] . المسألة الثانية : احتج القائلون بأن اللّه في مكان ، إما في العرش أو فوقه بهذه الآية من وجهين : الأول : أن الآية دلت على أن اللّه تعالى موصوف بأنه ذو المعارج وهو إنما يكون كذلك لو كان في جهة فوق والثاني : قوله : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فبين أن عروج الملائكة وصعودهم إليه ، وذلك يقتضي كونه تعالى في جهة فوق والجواب : لما دلت الدلائل على امتناع كونه في المكان والجهة ثبت أنه لا بد من التأويل ، فأما وصف اللّه بأنه ذو المعارج فقد ذكرنا الوجوه فيه ، وأما حرف ( إلى ) في قوله : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فليس المراد منه المكان بل المراد انتهاء الأمور إلى مراده كقوله : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] المراد الانتهاء إلى موضع العز والكرامة كقوله : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [ الصافات : 99 ] ويكون هذا إشارة إلى أن دار الثواب أعلى الأمكنة وأرفعها . المسألة الثالثة : الأكثرون على أن قوله : فِي يَوْمٍ من صلة قوله تَعْرُجُ ، أي يحصل العروج في مثل هذا اليوم ، وقال مقاتل : بل هذا من صلة قوله : بِعَذابٍ واقِعٍ [ المعارج : 1 ] وعلى هذا القول يكون في الآية تقديم وتأخير والتقدير : سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وعلى التقدير الأول ، فذلك اليوم ، إما أن يكون في الآخرة أو في الدنيا ، وعلى تقدير أن يكون في الآخرة ، فذلك الطول إما أن يكون واقعا ، وإما أن يكون مقدارا فهذه هي الوجوه التي تحملها هذه الآية ، ونحن نذكر تفصيلها القول الأول : هو أن معنى الآية أن ذلك العروج يقع في يوم من أيام الآخرة طوله خمسون ألف سنة ، وهو يوم القيامة ، وهذا قول الحسن : قال وليس يعني أن مقدار طوله هذا فقط ، إذ لو كان كذلك لحصلت له غاية ولفنيت الجنة والنار عند تلك الغاية وهذا غير جائز ، بل المراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا . ثم بعد ذلك يستقر أهل النار في دركات النيران نعوذ باللّه منها . واعلم أن هذا الطول إنما يكون في حق الكافر ، أما في حق المؤمن فلا ، والدليل عليه الآية والخبر ، أما الآية فقوله تعالى : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [ الفرقان : 24 ] واتفقوا على [ أن ] ذلك [ المقيل والمستقر ] هو / الجنة وأما الخبر فما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال : قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما طول هذا اليوم ؟ فقال : « والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا » ومن الناس من قال : إن ذلك الموقف وإن طال فهو يكون سببا لمزيد السرور والراحة لأهل الجنة ، ويكون سببا لمزيد الحزن والغم لأهل النار الجواب : عنه أن الآخرة دار جزاء فلا بد من أن يعجل للمثابين ثوابهم ، ودار الثواب هي الجنة لا الموقف ، فإذن لا بد من تخصيص طول الموقف بالكفار القول الثاني : هو أن هذه المدة واقعة في الآخرة ، لكن على سبيل التقدير لا على سبيل التحقق ، والمعنى أنه لو اشتغل بذلك القضاء والحكومة أعقل الخلق وأذكاهم لبقي فيه خمسين ألف سنة ثم إنه تعالى يتمم ذلك القضاء والحكومة في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا ، وأيضا الملائكة يعرجون إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لبقي في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ثم إنهم يصعدون إليها في ساعة قليلة ، وهذا قول وهب وجماعة من المفسرين القول الثالث : وهو قول أبي مسلم : إن هذا اليوم هو يوم الدنيا كلها من أول ما خلق اللّه إلى آخر الفناء ، فبين تعالى أنه لا بد في يوم الدنيا من عروج الملائكة ونزولهم ، وهذا اليوم مقدر بخمسين ألف سنة ، ثم لا يلزم على هذا أن يصير وقت القيامة معلوما ، لأنا